Actualite
A la Une

الحكمة من أمر الله إبراهيم بذبح ولده

والمقصود من هذا الابتلاء إظهار عزمه وإثبات علوّ مرتبته في طاعة ربّه فإن الولد عزيز على نفس الوالد، والولد الوحيد الذي هو أمل الوالد في مستقبله أشدّ عزّة على نفسه لا محالة، وقد علمتَ أنه سأل ولداً ، فبعد أن أقرّ الله عينه بإجابة سؤله وترعرع ولده أمره بأن يذبحه وذلك أعظم الابتلاء. فقابَل أمر ربه بالامتثال وحصلت حكمة الله من ابتلائه، وهذا معنى قوله تعالى:{ إنَّ هٰذَا لهو البلاء المبينُ } الصافات: 106.

وهنا تتجلَّى الحكمةُ من القصَّة ؛ وذلك أنَّ أَصْلَ التَّوحيدِ بل لبّه وروحه هو محبّةُ اللهِ تعالى، ولهذا كان رأسَ الإيمان الحبُّ في الله والبغضُ في الله، وكان من أحبَّ لله وأبغضَ لله، وأعطى لله ومنع لله فقدِ اسْتكمَلَ الإيمانَ ؛فابتَلَى الله تعالى إبراهيمَ في محبَّتِه له سبحانه، وإيثارِها وتقدِيمِها على محبَّةِ ابنِهِ، فأمره بذَبْحِه ليختبر محبَّته لله تعالى، حتَّى يكونَ اللهُ أحبَّ إليه من ابنِه، ويبلغَ كمالَ المحبَّةِ ومرتبةَ الخَلّة. فلمَّا حصَلَ المطْلُوبُ فَداهُ الله بذِبْحٍ عظيمٍ.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في جلاء الأفهام(274):

(ولما اتَّخذه ربُّه خليلاً؛ والخَلّة هي كمال المحبَّة، وهي مرتبة لا تَقبَلُ المشاركةَ والمزاحمةَ،وكان قد سأل ربَّه أن يهَبَ له ولدًا صالحًا، فوهَب له إِسماعيلَ، فأخذ هذا الولدُشعبةً من قلْبه، فغار الخليلُ على قلب خليلِه أن يكونَ فيه مكانٌ لغيرِه، فامتحَنَه بذَبْحِه ليظهرَ سرُّ الخَلّة في تقدِيمه محبّةَ خليلِه على محبَّةِ ولدِه، فلمَّااستسلم لأمر ربّه، وعزم على فعله، وظهر سلطان الخَلَّة في الإقدام على ذبح الولدإيثارًا لمحبَّة خليله على محبّته، نسخ الله ذلك عنه، وفداه بالذِّبح العظيم، لأنَّالمصلحة في الذَّبح كانت ناشئةً من العزم وتوطين النَّفس على ما أمر به، فلمَّا حصلت هذه المصلحة، عاد الذَّبح مفسدة، فنُسخ في حقِّه، فصارت الذَّبائح والقرابين من الهدايا والضَّحايا سُنَّة في اتّباعه إلى يومالقيامة)

مشهد الذبح

قال تعالى ” فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ” الصافات 110:103

{ فلما أسلما وتله للجبين }يعنى: ألقاه على وجهه، حتى لا يرى أبوه وجهه ساعةَ يذبحه، فتأخذه الشفقة به، فلا يذبح، وكأن الولد يُعين والده ويساعده على إتمام الأمر، وهكذا الاستسلام واضحاً، فالولد مُلقىً على الأرض، والوالد في يده السكين، يحاول بالفعل ذَبْح ولده، وأىّ ولد؟ ولده الوحيد الذى رُزِق به على كِبَر.
إن الرجل يمضي فيكب ابنه على جبينه استعداداً. وإن الغلام يستسلم فلا يتحرك امتناعاً، وقد وصل الأمر إلى أن يكون عياناً.

أرأيتم قلبا أبويا…………….يتقبل أمرا يأباه
أرأيتم ابنا يتلقى …………….أمرا بالذبح و يرضاه
ويجيب الابن بلا فزع ………………إفعل ماتؤمر أبتاه
لن أعصي لإلهي أمرا…………….من يعصي يوما مولاه
واستل الوالد سكينا ……………..واستسلم ابن لرداه
ألقاه برفق لجبينٍ…………….كي لا تتلقى عيناه
وتهز الكون ضراعات……………..ودعاء يقبله الله
تتوسل للرب الأعلى………………أرض وسماء ومياه
ويجيب الحق ورحمته ……………سبقت في فضل عطاياه
صدقت الرؤيا لا تحزن……………. يا إبراهيم فديناه

 

لقد أسلما.. فهذا هو الإسلام،  هذا هو الإسلام في حقيقته، ثقة وطاعة وطمأنينة ورضى وتسليم.. وتنفيذ.. وكلاهما لا يجد في نفسه إلا هذه المشاعر التي لا يصنعها غير الإيمان العظيم.وهنا كان إبراهيم وإسماعيل كانا قد حققا الأمر والتكليف،  ولم يكن باقياً إلا أن يذبح إسماعيل، ويسيل دمه، وتزهق روحه.. وهذا أمر لا يعني شيئاً في ميزان الله، كان الابتلاء قد تم، والامتحان قد وقع، وغاياته قد تحققت، ولم يعد إلا الألم البدني، والله لا يريد أن يعذب عباده بالابتلاء. ولا يريد دماءهم وأجسادهم في شيء.
وعرف الله من إبراهيم وإسماعيل صدقهما،  فاعتبرهما قد أديا وحققا وصدقا،  فلما وصل إبراهيم وولده إلى هذه الدرجة من الاستسلام لله، ناداه الله { وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ } الصافات: 104-106

يعنى: ارفع يدك يا إبراهيم عن ذبح ولدك الوحيد، فما كان الأمرُ إلا بلاءً مبيناً، أى: واضح قاسٍ عليك أنت وولدك، وهو مبين لأنه يُبين قوة عقيدة إبراهيم – عليه السلام – فى تلقِّى الأمر من الله، وإنْ كان صعباً وقاسياً، ثم الانصياع له والطاعة، وكذلك كان البلاء فى حَقِّ ولده الذى خضع وامتثل.

قوله تعالى: “إنّ هذا لهو البلاء المبين”، فيه دلالة على أنّ الأنبياء أشدّ الناس بلاء، ويشهد له قوله صلى الله عليه وسلم”أشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة”

وجاء الفداء:{ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ }الصافات: 107 ذبح بمعنى مذبوح، وهو الكبش الذي أنزله الله، فِداءً لإسماعيل.

ومضت بذلك سنة النحر في الأضحى، ذكرى لهذا الحادث العظيم الذي يرتفع منارة لحقيقة الإيمان ، وعظمة التسليم.

{ وتركنا عليه في الآخرين }..فهو مذكور على توالي الأجيال والقرون. وهو أمة ، وهو أبو الأنبياء.

وهذا يدل على أنّ عاقبة الصبر على البلاء محمودة، وذلك أنّ إبراهيم عليه السلام لما ابتلاه الله تعالى بذبح ابنه، امتثل لأمر ربه، وصبر على بلائه، فجزاه الله تعالى أن فداه بذبح عظيم، وجعل له ذكراً عطرا وثناء مباركاً في الآخرين، ورزقه غلاما آخر من الصالحين.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في «مفتاح دار السعادة» “1/300” : 

 ثم تأمّل حال أبينا الثالث إبراهيم صلى الله عليه و سلم، إمام الحنفاء، وشيخ الأنبياء، وعمود العالم، وخليل ربّ العالمين، من بني آدم، وتأمّل ما آلت إليه محنته وصبره وبذله نفسه لله! وتأمّل، كيف آل به بذله لله نفسه ونصره دينه إلى أن اتخذه الله خليلا لنفسه وأمر رسوله وخليله محمدًا صلى الله عليه و سلم أن يتّبع ملّته.

وأنبّهك على خصلة واحدة مما أكرمه الله به في محنته بذبح ولده، فإنّ الله تبارك وتعالى جازاه على تسليمه ولده لأمر الله بأن بارك في نسله وكثره حتى ملأ السهل والجبل، فإنّ الله تبارك وتعالى لا يتكرّم عليه أحد وهو أكرم الأكرمين، فمن ترك لوجهه أمرا او فعله لوجهه بذل الله له أضعاف ما تركه من ذلك الأمر أضعافا مضاعفة، وجازاه بأضعاف ما فعله لأجله أضعافا مضاعفة، فلمّا أمر إبراهيم بذبح ولده، فبادر لأمر الله ووافق عليه الولد أباه رضاء منهما وتسليما، وعلم الله منهما الصدق والوفاء فداه بذبح عظيم، وأعطاهما ما أعطاهما من فضله، وكان من بعض عطاياه أن بارك في ذرّيّتهما حتى ملؤا الأرض؛ فإنّ المقصود بالولد إنّما هو التناسل وتكثير الذرّيّة، ولهذا قال إبراهيم: {رب هب لي من الصالحين}، وقال: {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذرّيّتي} فغاية ما كان يحذر ويخشى من ذبح ولده انقطاع نسله فلمّا بذل ولده لله، وبذل الولد نفسه ضاعف الله له النسل وبارك فيه وكثّر حتى ملؤا الدنيا، وجعل النبوة والكتاب في ذرّيّته خاصة، وأخرج منهم محمدًا صلى الله عليه و سلم.
قال: فجعل من نسله هاتين الأمّتين العظيمتين اللّتين لا يحصى عددهم الا الله خالقهم ورازقهم، وهم بنو إسرائيل وبنو إسماعيل؛ هذا سوى ما أكرمه الله به من رفع الذكر والثناء الجميل على ألسنة جميع الأمم، وفي السموات بين الملائكة. فهذا من بعض ثمرة معاملته. فتبًّا لمن عرفه ثم عامل غيره! ما أخسر صفقته وما أعظم حسرته!» اهـ.
. { سلام على إبراهيم. كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين }..

وهذا جزاء الإيمان. وتلك حقيقته فيما كشف عنه البلاء المبين.

معنى قوله تعالى (وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) النساء 125

سمي الخليل خليلاً لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللاً إلاَّ ملأته.

ومعنى ( وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ) أي اصطفاه الحق اصطفاءً خاصاً، لأن الحب قد يُشارَك فيه، فهو سبحانه يحب ٱلتَّوَّابِينَ  والْمُتَّقِينَ وٱلصَّابِرِينَ …..الخ
لكنه اصطفى إبراهيم خليلاً، أي لا مشاركة لأحد في مكانته، أما الحب فيعم، ولكن الخلَّة لا مشاركة فيها.

ولذلك نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا وإن صاحبكم خليل الله تعالى) يعني نفسه “.

Afficher plus

Articles similaires

Laisser un commentaire

Bouton retour en haut de la page
%d blogueurs aiment cette page :