Actualite
A la Une

قصة الذبيح إسماعيل دروس وعبر

ذكر الله تعالى قصص أنبيائه ورسله في القرآن ، لنأخذ منها العبرة والعظة، ونستخلص منها الذِّكرى والموعظة، فقال سبحانه” : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ” يوسف(111)

ومن أبرز هذه القصص، قصَّة إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما السَّلام ، وذلك أنَّ إبراهيم عليه السَّلام دعا قومه إلى توحيد الله تعالى وترك عبادة الأصنام، فلمَّا لم يستجيبوا له، أراد أن يقيمَ عليهم الحجُّةَ، ويبيِّنَ لهُم أنَّ هذه الأصنامَ لا تنفع ولا تضرُّ، بل هي عاجزة عن نفع نفسها ودفع الضَّررِ عنها، فكيف تنفع من يعبدها؟! فجعلها حطاما.

فلمَّا أقام عليهم الحجُّةَ حكموا عليه بالإعدام حرقا، فأنجاه الله تعالى من النار وجعلها عليه بردا وسلاما ، وأظهره الله عليهم، فلمَّا نصره الله تعالى على قومه، وأيِس من إيمانِهم، تركهم وهاجر مِن بَيْنِ أظهرهم.

 وسأل ربَّه أن يَهَبَه ولدًا صالحًا، عوضًا عن قومه، ويؤنسه في غربته، ويعينُه على طاعة ربِّه والدَّعوةِ إلى دينِه.

فاستجابَ اللهُ دعاءَه فَرَزَقَهُ ولدًا صالحًا، ” وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينِ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ “الصافات 101،99

رزق إبراهيم بولده إسماعيل في سن كبير ، ورد في التوراة أنه كان في السادسة والثمانين من العمر ،ولنا أن نتخيل كم يكون قدر هذا الطفل الذي جاء على شوق كبير وانتظار طويل ، فأحبَّه وقرَّت عينُه، وتعلَّق قلبُه به…

 ترى كم يكون قدره عند والديه ومحبتهما له؟!!!

 وبلغ إسماعيل مرحلة السعي أَيْ كَبِرَ وَتَرَعْرَعَ وَصَارَ يَذْهَب مَعَ أَبِيهِ وَيَمْشِي مَعَهُ ، وعلى هذا فإن إسماعيل في سن بداية الشباب ثلاثة عشر عاما تقريبا ، ووالده قد قاربا المائة عام ، ومن المعلوم أن الوالد حينما يكبر في السن يزداد ضعفه ، ويبدأ في الاعتماد على ولده بصورة كبيرة .

“فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ” الصافات 102

 لقد ابتُلِىَإبراهيم في شبابه حين أُلْقى في النار،فقال “حسبنا الله ونعم الوكيل ” ، أما هذه المرة فالابتلاء يأتيه وهو شيخ كبير، وقد جاءه الولد على كِبَر، فهو أحبُّ إليه من نفسه وهاهو يُؤمَر بقتله.

ونلاحظ  شدة البلاء حينما يأمر الله تعالى أن يتولى إبراهيم بنفسه الذبح ، لم يخبره الله أنه سيموت فيهون الأمر، ولا يطلب منه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة، ولا يطلب منه أن يكلفه أمراً تنتهي به حياته.. إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده….. يتولى ماذا؟

يتولى ذبحه.. وهو ـ مع هذا ـ يتلقى الأمر هذا التلقي، ويعرض على ابنه هذا العرض؛ ويطلب إليه أن يتروى في أمره، وأن يرى فيه رأيه!

ونلاحظ أن إسماعيل كان هو الوحيد في  هذا الوقت ليس له إخوة آخرين ، لو تخيل أحدنا هذا الأمر ماذا لو أمرك الله بذبح ولدك وحيدك ؟ هل تقوى على ذلك ؟ والله إنه لبلاء لا يطيقه إلا الأنبياء .

وقوله 🙁 يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَام)عبّر بالمضارع، والرؤيا قد انتهت، فلم يقل : إني رأيت ، كأنّ إبراهيم عليه السلام يشاهد الرؤيا وقت كلامه مع ابنه، فهو يستحضر ذلك وهو يخاطبه، وهذا أهون في التزام الأمر.
يا الله! يا لروعة الإيمان والطاعة والتسليم.

هذا إبراهيم الشيخ الذي قارب المائة عام ، المقطوع من الأهل والقرابة، المهاجر من الأرض والوطن، ها هو ذا يرزق في كبره بغلام،  طالما تطلع إليه مشتاقا  فلما رزق به ما كاد يأنس به، ويبلغ معه السعي، ويرافقه في الحياة.. ، حتى يرى في منامه أنه يذبحه!!!

فلم يتردد، ولم يخالجه إلا شعور الطاعة، والتسليم.. إنه لا يلبي في انزعاج، ولا يستسلم في جزع، ولا يطيع في اضطراب.. كلا إنما هو القبول والرضا والطمأنينة والهدوء.

يبدو ذلك في كلماته لابنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء وفي اطمئنان عجيب:{ قال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك. فانظر ماذا ترى }الصافات 102

لماذا أخبر إبراهيم ولده بالأمر ؟

إن إبراهيم لم يأخذ ابنه على غرة ( فجأة) لينفذ أمر ربه، وينتهي؛  إنما يعرض الأمر عليه كالذي يعرض المألوف من الأمر؛  فالأمر في حسه هكذا….. ربه يريد !! فليكن ما يريد !!!

 وابنه ينبغي أن يعرف، وأن يأخذ الأمر طاعة وإستسلاماً، لا قهراً واضطراراً، لينال هو الآخر أجر الطاعة، وليسلم هو الآخر ويتذوق حلاوة التسليم!

إنه يحب لابنه أن يتذوق لذة التطوع التي ذاقها؛ وأن ينال الخير الذي يراه هو أبقى من الحياة وأقنى.
أَعْلَمَ اِبْنه بِذَلِكَ لِيَكُونَ أَهْوَن عَلَيْهِ وَلِيَخْتَبِرَ صَبْره وَجَلَده وَعَزْمَهُ فِي صِغَره عَلَى طَاعَة اللَّه تَعَالَى، وبره بوالده ” قَالَ يَا أَبَتِ اِفْعَلْ مَا تُؤْمَر ” أَيْ اِمْضِ لِمَا أَمَرَك اللَّه مِنْ ذَبْحِي

” سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّه مِنْ الصَّابِرِينَ “أَيْ سَأَصْبِرُ وَأَحْتَسِب ذَلِكَ عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ .
إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب، ولكن في رضى ويقين.. ولم يقُلْ: افعل ما تريد؛ لأن طاعته لأبيه هنا من باطن طاعته لله تعالى وامتثاله لأمر ربه، فهو يدرك تماماً أن أباه مُتلَقٍّ الأمر من الله، وإنْ جاء هذا الأمر في شكل رؤيا، إذن: هو يعلم رغم صِغَره أن رؤيا الأنبياء وَحْىٌ حَقٌّ.

وسيدنا إبراهيم ينادى ولده {يٰا بُنَيَّ }هكذا بالتصغير، لأن بُنى تصغير ابن فلم يقل يا ابني، فقد أوثقه الحنان الأبوي، وعرض عليه هذا الابتلاء، وهو مشحون بعاطفة الحب لولده والشفقة عليه، لأنه ما يزال صغيراً ، ويجيب الابن { يا أبت } وأصلها يا أبي والتاء أضيفت عوضا عن ياء المتكلم وهي تشير في دلالتها القوية بالاحترام والتقدير من الابن تجاه أبيه .

(يا أبت )هكذا في مودة وقربى، فشبح الذبح لا يزعجه ولا يفزعه ولا يفقده رشده ، بل لا يفقده أدبه ومودته.

رؤيا الأنبياء وحي :

رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء وَحْيٌ ،لأن الأنبياء ليس للشيطان عليهم في التخييل سبيل، وإنما قلوبهم صافية، وھكذا الأنبیاء علیھم الصلاة والسلام تنام أعینھم ولا تنام قلوبھم ، وفي الحديث : “إنا معاشر الأنبیاء تنام أعیننا ولا تنام قلوبنا”.

ولھذا قد یوحي الله تبارك وتعالى إلى النبي وھو نائم كما في الآيات التي معنا ؛ فرؤیا الأنبیاء وحي من الله تعالى، بخلاف رؤیا غیرھم من الناس؛ فإنھا قد تكون وحیا، أو تخلیطا من الشیطان، أو حدیث نفس، كما جاء في الحدیث، أما بالنسبة للأنبیاء فإن رؤیاھم وحي من الله تعالى.
 فمنهج أهل السنة والجماعة أن الرؤى والأحلام لغير الأنبياء لا يؤخذ منها حكم شرعي ، إلا إذا رآها نبي أو أقرها نبي (كما في رؤيا الصحابة للأذان )

ولو كان الذي رأى الرؤيا من كان في الصلاح والتقوى ، وأما غلاة الصوفية فإن من مصادر التلقي عندهم المنامات ، فهم يعتبرون المنامات تشريعا . 
وحدث في زمن الإمام العز بن عبد السلام أن الناس تراءوا الهلال فلم يروه، -والحكم الشرعي حينئذ إتمام  شعبان ثلاثين يوما-  ،فرأى أحدهم النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له : الليلة أول رمضان  ، فقال له الإمام العز : إن أقصى ما نحمل عليه رؤياك أنها حديث ضعيف وقد حدثنا الثقات عن رسول الله : ” صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ ” “

فالرائي هنا وإن كانت رؤياه حقا ، لكن لا يجوز إثبات حكم شرعي بما جاء فيها ، لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي ، وقد اتفقوا على أن من شروط من تقبل روايته وشهادته أن يكون متيقظا لاغافلا ولا كثير الخطأ ، ولا مختل الضبط ، والنائم ليس بهذه الصفة .ا.هـ. 

Afficher plus

Articles similaires

Laisser un commentaire

Bouton retour en haut de la page
%d blogueurs aiment cette page :